ابن عجيبة

536

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الواردات الإلهية والعلوم الإلهامية على قلوبكم وأسراركم ، مدرارا ، ويزدكم قوة في شهود الذات إلى قوتكم في شهود الصفات ، ولا تتولوا عن شهوده بشهود أثره ، مجرمين معدودين في زمرة المجرمين المصرين على الكبائر ، وهم لا يشعرون . وقال الورتجبي : استغفروا من النظر إلى غيرى ، وتوبوا إلىّ من نفوسكم ، ورؤية طاعتكم وأعواضها ، يرسل سماء القدم على قلوبكم مدرار أنوار تجليها ، ويزدكم ، أي : يزد قوة أرواحكم في طيرانها . انظر تمامه . ثم ذكر ما أجابه به قومه ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 53 إلى 57 ] قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 53 ) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 54 ) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ( 55 ) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 56 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 57 ) قلت : ( إن نقول إلا اعتراك ) : الاستثناء مفرغ ، و « اعتراك » : مقول لقول محذوف ، أي : ما نقول إلا قولنا اعتراك ، و ( ما من دابة ) : « ما » نافية ، و « من » صلة و « دابة » ، مبتدأ مجرور بمن الزائدة ، وجملة ( إلا هو آخذ ) : خبر . يقول الحق جل جلاله : قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ ؛ بمعجزة واضحة تدل على صدق دعواك ، وهذا كذب منهم وجحود ؛ لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات . وفي الحديث : « ما من نبىّ إلّا أوتى من المعجزات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنّما كان الذي أوتيته وحيا أوحى إلى ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » « 1 » . كما في الصحيح . ويحتمل أن يريدوا : ما جئتنا بآية تضطر إلى الإيمان بك ، وإن كان قد أتاهم بآية نظرية . ولم يذكر في القرآن معجزة معينة لهود عليه السّلام ، مع الاعتقاد أنه لم يخل من معجزة ؛ لما في الحديث . ثم قالوا : وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا ؛ بتاركي عبادتهم عَنْ قَوْلِكَ أي : بسبب قولك ، أو صادرين عن قولك ، وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ أبدا ، وهو إقناط له عن الإجابة والتصديق . إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ ؛ أصابك بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ ؛ بجنون ؛ لما سببتها ، ونهيت عن عبادتها ، ولذلك صرت تهذو وتتكلم بالخرافات .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الاعتصام ، باب قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعثت بجوامع الكلم ) ومسلم في ( الإيمان ، باب : وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ) من حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه .